الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد توكيدا ، وكل ذلك في طريقة التهكم . وجملة اصْلَوْها مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ والتغليظ السابقين ، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال : صلي النار يصلاها ، إذا قاسى حرها . والأمر في اصْلَوْها إمّا مكنّى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم الاحتراق بنارها ، وإما مستعمل مجازا في التنكيل . وفرع على اصْلَوْها أمر للتسوية بين صبرهم على حرّها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان عنهم شيئا من العذاب ، ألا ترى أنهم يقولون : سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [ إبراهيم : 21 ] لأن جرمهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه . و سَواءٌ عَلَيْكُمْ خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : ذلك سواء عليكم . وجملة سَواءٌ عَلَيْكُمْ مؤكدة لجملة فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا فلذلك فصلت عنها ولم تعطف . وجملة إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل لجملة اصْلَوْها إذ كلمة إِنَّما مركبة من ( إنّ ) و ( ما ) الكافة ، فكما يصح التعليل ب ( إنّ ) وحدها كذلك يصح التعليل بها مع ( ما ) الكافة ، وعليه فجملتا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ معترضتان بين جملة اصْلَوْها والجملة الواقعة تعليلا لها . والحصر المستفاد من كلمة إِنَّما قصر قلب بتنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد أن ما لقوه من العذاب ظلم لم يستوجبوا مثل ذلك من شدة ما ظهر عليهم من الفزع . وعدي تُجْزَوْنَ إلى ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بدون الباء خلافا لقوله بعده كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 19 ] ليشمل القصر مفعول الفعل المقصور ، أي تجزون مثل عملكم لا أكثر منه فينتفي الظلم عن مقدار الجزاء كما انتفى الظلم عن أصله ، ولهذه الخصوصية لم يعلق معمول الفعل بالباء إذ جعل بمنزلة نفس الفعل . [ 17 - 19 ] [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 17 إلى 19 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) استئناف بياني بعد أن ذكر حال المكذبين وما يقال لهم ، فمن شأن السامع أن